عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

74

معارج التفكر ودقائق التدبر

ومن الناس من لا يوجد في ساحة تذكّره إلّا السّلطان والعلوّ في الأرض ، فهو مشغول العواطف والإرادة والسلوك به دواما . ومن الناس من لا يوجد في ساحة تذكّره إلّا مطالب شهواته ولذّاته من طعام وشراب ورفاهية ونساء ونحو ذلك ، فهو مشغول العواطف والإرادة والسلوك بما يملأ ساحة تذكّره من هذه الأمور . أمّا الذين يتذكّرون ربّهم والدّار الأخرة ، ومطلوب سعادتهم الأبديّة يوم الدّين فهم نادرون قليلون في الناس ، وهم على مراتب متفاضلات ، ودرجات كثيرات متفاوتات ، كما قال اللّه عزّ وجل في الآية التي نحن في صدد تدبّرها خطابا للناس : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ و [ تذّكّرون ] . وحديثا عن الناس في القراءة الأخرى : [ قليلا مّا يتذكّرون ] . والخلاصة : أنّ قليلا من النّاس من يتذكّر الأشياء الّتي جعل اللّه سعادة الناس في دنياهم وأخراهم بها ، وكلّها مربوطة بذكر اللّه ، وبذكر ما أنزل لعباده وبلّغه رسوله ، وذلك لأنّهم لا يضعونها أصلا في مراكز علمهم وإيمانهم حتّى يحيوها بالتذكر الباعث على العمل للدّار الآخرة ، ومرضاة اللّه ، بل ساحة تذكّرهم مشغولة بمطالبهم من الحياة الدّنيا . والمؤمنون الّذين يتذكّرون أحيانا الأشياء الّتي جعل اللّه سعادة النّاس في دنياهم وأخراهم بها قليلا مّا يتذكّرون ، إذ لا يستغرقون أوقاتا كثيرة من عمرهم بتذكّرهم لها إذا تذكّروها ، فيقلّ تذكّرهم في اللّحظة الواحدة ، ويقلّ مقدار زمن التذكّر عندهم في مدى أعمارهم ، وسبب ذلك الغفلات ، والصوارف من مطالب الجسد وشهواته ، ومطالب النفس من الدنيا وشهواتها مع شوارد الأفكار العاملة دواما . إنّ مطالب الجسد والنفس هي مثيرات من داخلها ، وهذه لها أيضا